جلال الدين السيوطي

212

الإتقان في علوم القرآن

قال : والأوّل أصحّ ؛ إنما كان في الأديم والعسب أولا ، قبل أن يجمع في عهد أبي بكر ، ثم جمع في الصحف في عهد أبي بكر ، كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المترادفة . قال الحاكم « 1 » : والجمع الثالث هو ترتيب السور في زمن عثمان . روى البخاريّ عن أنس : أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال لعثمان : أدرك الأمّة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى . فأرسل إلى حفصة : أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ، ثم نردّها إليك . فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت وعبد اللّه بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف . وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن ، فاكتبوه بلسان قريش ، فإنّه إنّما نزل بلسانهم ، ففعلوا ، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة ، وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف ممّا نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة ومصحف أن يحرق . قال زيد : فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف ، قد كنت أسمع رسول اللّه يقرأ بها . فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [ الأحزاب : 23 ] فألحقناها في سورتها في المصحف « 2 » . قال ابن حجر « 3 » : وكان ذلك في سنة خمس وعشرين . قال : وغفل بعض من أدركناه فزعم أنه كان في حدود سنة ثلاثين ، ولم يذكر له مستندا ، انتهى . وأخرج ابن أشتة ، من طريق أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : حدّثني رجل من بني عامر ، يقال له : أنس بن مالك ، قال : اختلفوا في القراءة على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلّمون ، فبلغ ذلك عثمان بن عفان ، فقال : عندي تكذبون به وتلحنون فيه ! فمن نأى عنّي كان أشدّ تكذيبا ، وأكثر لحنا . يا أصحاب محمد ، اجتمعوا فاكتبوا للنّاس إماما . فاجتمعوا فكتبوا ، فكانوا إذا اختلفوا وتدارءوا في آية قالوا : هذه أقرأها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلانا ، فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة . فيقال له : كيف أقرأك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم آية كذا وكذا ؟

--> ( 1 ) المستدرك 2 / 229 . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) فتح الباري 9 / 17 .